السيد كمال الحيدري

64

دروس في علم الإمام

وبهذا يتبيّن أنّ الخزائن غير الكتاب المبين ، وهذا المعنى أشار إليه الطباطبائي حيث قال : « إنّ هذا الكتاب بوجهٍ غير مفاتح الغيب وخزائن الأشياء التي عند الله سبحانه ، فإنّ الله تعالى وصف هذه المفاتح والخزائن بأنّها غير مقدّرة ولا محدودة ، وأنّ القدر إنّما يلحق الأشياء عند نزولها من خزائن الغيب إلى هذا العالم الذي هو مستوى الشهادة ، ووصَف هذا الكتاب بأنّه يشتمل على دقائق حدود الأشياء وحدود الحوادث ، فيكون الكتاب المبين من هذه الجهة غير خزائن الغيب التي عند الله سبحانه ، وإنّما هو شيء مصنوع لله سبحانه ، يضبط سائر الأشياء ويحفظها بعد نزولها من الخزائن وقبل بلوغها منزل التحقّق ، وبعد التحقّق والانقضاء . ويشهد بذلك أنّ الله سبحانه إنّما ذكر هذا الكتاب في كلامه لبيان إحاطة علمه بأعيان الأشياء والحوادث الجارية في العالم ، سواء كانت غائبة عنّا أو مشهودة لنا . والحاصل : ما من شيء ممّا خلقه الله سبحانه إلّا وله في خزائن الغيب أصل يُستمدّ منه ، وما من شيء ممّا خلقه الله إلّا والكتاب المبين يحصيه قبل وجوده وعنده وبعده ، غير أنّ الكتاب أنزل درجة من الخزائن . ومن هنا يتبيّن للمتدبّر الفطن أنّ الكتاب المبين - في عين أنّه كتاب محض - ليس من قبيل الألواح والأوراق الجسمانية ، فإنّ الصحيفة الجسمانيّة - أيّاً ما فُرضتْ وكيفما قُدّرت - لا تحتمل أن يُكتب فيها تاريخ نفسه فيما لا يزال ، فضلًا عن غيره ، فضلًا عن كلّ شيء في مدى الأبد » « 1 » . الأمر الثالث : النسبة بين الكتاب المبين والحوادث الخارجيّة دلّت الآيات السابقة أنّ الكتاب المبين يحصي كلّ شيء كما قاله تعالى :

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 7 ، ص 127 . .